ابن عربي

185

فصوص الحكم

فإن الحد يضبطها والخيال لا يزيلها . وإذا كان الأمر على هذا فهذا هو الأمان على الذوات والعزةُ والمنعةُ ، فإنك لا تقدر على فساد الحدود . وأي عزة أعظم من هذه العزة ؟ فتتخيل بالوهم أنك قتلت ، وبالعقل والوهم لم تزل الصورة موجودة في الحد . والدليل على ذلك « وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى » : والعين ما أدركت إلا الصورة المحمدية التي ثبت لها الرمي في الحس ، وهي التي نفى الله الرمي عنها أولًا ثم أثبته لها وسطاً ، ثم عاد بالاستدراك أن الله هو الرامي في صورة محمدية . ولا بد ( 1 ) من الإيمان بهذا . فانظر إلى هذا المؤثر حتى أنزل الحق في صورة محمدية ( 2 ) . وأخبر الحق نفسُه عباده بذلك ، فما قال أحد منا عنه ذلك بل هو قال عن نفسه . وخَبَرُه صدق والإيمان به واجب ، سواء أدركت علم ما قال أو لم تدركه : فإما عالم وإما مسلم مؤمن . ومما يدلك على ضعف النظر العقلي من حيث فكره ، كون العقل يحكم على العلة أنها لا تكون معلولة لمن هي علة له : هذا حكم العقل لا خفاء به ، وما في علم التجلي إلا هذا ، وهو أن العلة تكون معلولة لمن هي علة له . والذي حكم به العقل صحيح مع التحرير في النظر ، وغايته في ذلك أن يقول إذا رأى الأمر على خلاف ما أعطاه الدليل النظري ، إن العين بعد ثبت أنها واحدة في هذا الكثير ، فمن حيث هي علة ( 3 ) في صورة من هذه الصور لمعلول ما ، فلا تكون معلولة لمعلولها ، في حال كونها علة ، بل ينتقل الحكم بانتقالها في الصور ، فتكون معلولة لمعلولها ، فيصير معلولها علة لها ( 4 ) . هذا غايته إذا كان قد رأى الأمر على ما هو عليه ، ولم يقف ( 5 ) مع نظره الفكري . وإذا كان الأمر في العلية بهذه المثابة ، فما ظنك باتساع النظر العقلي في غير هذا المضيق ؟ فلا أعقل من الرسل صلوات الله عليهم وقد جاؤوا بما

--> ( 1 ) ساقط في ن ( 2 ) ساقط في ن ( 3 ) ب : عليه ( 4 ) ب : له ( 5 ) ن : يقدح